المقريزي
173
إمتاع الأسماع
السابق يوم القيامة لأنه أول مكتوب في النبوة ، ففي هذا الخبر الفضيلة العظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما أوجب الله تعالى له النبوة قبل تمام خلق آدم الذي هو أبو البشر ، ويحتمل أن يكون هذا الايجاب هو ما أعلم الله ملائكته ما سبق في علمه وقضائه من بعثته صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان ، فمن حاز هذه الفضيلة حق له الصبر على مواصلة الدعوة واحتمال الأذية ممن ردها ، وإعظام من قبلها ، واستفراغ الوسع في احتمال كل عارض وشدة وبلوى تعرض دون إقامتها ، إذ الفضيلة سابقة على فضائل من تقدمه من الأنبياء في العهد والخلق الأول . وقال بعض العارفين بالله : لما خلق الله الأرواح المدبرة للأجسام عند حركة الفلك أول ما خلق الزمان بحركته ، كان أول ما خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم صدرت الأرواح الفلكية عن الحركات الفلكية ، فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة ، وأعلمه الله بنبوته ، وآدم لم يكن إلا كما قال بين الماء والطين ، فاقتضي قوله : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " أن يكون وجوده حقيقة ، فإنه لا يكون العدم بين أمرين موجودين لانحصاره ، والمعدوم لا يوصف بالحصر في شئ ، ثم انتهى الزمان في حقه عليه السلام إلى وجود جسمه وارتباط الروح به ، فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسما وروحا ، فكان له الحكم أولا باطنا في جميع ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل عليهم السلام ، ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل شرع وإن كان المشرع واحدا ، وهو صاحب الشرع ، فإنه قال : " كنت نبيا " . . ،